الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

148

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

العموم من وجه ، فإنّ النسبة بين العلماء العدول والنحويين هي العموم من وجه كما لا يخفى . والبحث هاهنا في انقلاب النسبة السابقة على التخصيص بإحدى الخصوصات إلى النسبة اللاحقة به وعدمه ، والمحكي عن المحقّق النراقي رحمه الله أنّه ذهب إلى الانقلاب وقال بلزوم ملاحظة النسبة اللاحقة « 1 » . والنزاع إنّما يتصوّر فيما إذا كان الخاصّان منفصلين ، وأمّا إذا كان أحدهما متّصلًا فلا إشكال في انقلاب النسبة ، أي لزوم ملاحظة النسبة بين العامّ المخصّص بالمتّصل والخاصّ الآخر المنفصل . وكيف كان ، فهل تنقلب النسبة فيكون اللازم ملاحظة تاريخ الخاصّين وتخصيص العامّ أوّلًا بما هو الأقرب زماناً ، ثمّ بالأبعد ، أو لا ينقلب فلا حاجة إلى ملاحظة تاريخهما ؟ ولابدّ في الجواب من الإشارة إلى أمرين : أحدهما : أنّ التخصيص يتعلّق بالإرادة الجدّية لا الإرادة الاستعماليّة ، ولذا لا يلزم منه مجاز . ثانيهما : أنّه لا إشكال في أنّ المعيار في التعارض إنّما هو الإرادة الاستعماليّة ؛ لأنّ الدليلين يتعارضان ويتضادّان في ظهورهما الاستعمالي واللفظي كما هو واضح . وبذلك يظهر أنّه لا وجه لانقلاب النسبة ؛ لأنّ تخصيص العامّ بالخاصّ الأوّل إنّما هو في الإرادة الجدّية ولا ربط له بالإرادة الاستعماليّة ، وحينئذٍ يبقى الظهور الاستعمالي للعامّ على حاله الذي كان هو المعيار في التعارض ، ولابدّ بعد التخصيص بالخاصّ الأوّل من ملاحظة النسبة بين الخاصّ الثاني وهذا الظهور الاستعمالي للعامّ الباقي على قوّته . والذي يؤيّد ذلك هو سيرة الفقهاء ، فإنّهم لا يلاحظون تاريخ المخصّصات ولا

--> ( 1 ) . انظر : فرائد الأصول ، ج 4 ، ص 103 ؛ عوائد الأيّام ، ص 349 ، العائدة 40